عندما يرتفع النفط،
تتغير كل المعطيات
يُعد النفط أحد تلك الأسواق التي يمكن أن تمارس تأثيراً على الأسواق المالية يفوق بكثير ما قد يوحي به الرسم البياني لسعره.
فعندما تشهد أسعار النفط الخام ارتفاعاً حاداً، سرعان ما يمتد الأثر ليشمل أسعار الوقود، وتوقعات التضخم، وأسعار الفائدة، والعملات، والسندات، والذهب، والأسهم. وكلما استمر هذا الاتجاه الصعودي، زاد احتمال أن يبدأ المتداولون في الأسواق الأخرى في إيلاء اهتمام أكبر للأمر.
وهذا بالتحديد ما يجعل التحرك الأخير في أسعار النفط مثيراً للاهتمام.
لقد عاد سعر خام برنت ليتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل في أواخر شهر سبتمبر، وذلك في ظل تزايد المخاوف المتعلقة بالتوترات في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. ورغم أن الأسعار قد تراجعت منذ ذلك الحين عن تلك المستويات المرتفعة مع تعافي بعض الصادرات الخليجية، إلا أن المخاطر الكامنة لم تتلاشَ.
لذا، وبدلاً من الاكتفاء بالتساؤل عن المسار القادم لأسعار النفط، يجدر بنا النظر فيما قد يعنيه الارتفاع المستمر في هذه الأسعار بالنسبة لبقية السوق.
1. المحفز: لماذا عاد سعر النفط ليتجاوز حاجز الـ 100 دولار؟
لقد تأثرت حركة أسعار النفط الأخيرة بشكل كبير بالتطورات في الشرق الأوسط والمخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة.
وتكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة نظراً للكميات الهائلة من النفط ومنتجات الطاقة الأخرى التي تمر عبر هذه المنطقة؛ فأي اضطراب - أو حتى مجرد احتمال حدوثه - يمكن أن يغير بسرعة الطريقة التي يسعّر بها المتداولون السوق.
وهنا تبرز نقطة هامة:
لا يشترط ارتفاع أسعار النفط حدوث انقطاع فعلي وكامل للإمدادات؛ إذ يمكن للأسواق أن تتحرك وتتفاعل قبل وقوع ذلك بكثير.
فإذا اعتقد المتداولون أن الشحنات قد تتأخر، أو أن تكاليف التأمين قد ترتفع، أو أن البنية التحتية قد تتضرر، فقد يبدأون في احتساب "علاوة مخاطر" أعلى ضمن الأسعار.
وكان ذلك أحد العوامل الرئيسية وراء التحرك الحاد في أسعار النفط الخام نحو مستوى الـ 100 دولار.
وهناك أيضاً فروق بين صادرات النفط الخام وإمدادات الوقود المكرر؛ ففي حين تعافت بعض صادرات النفط الخام الخليجي، ظلت صادرات الوقود المكرر أكثر تقييداً بسبب الاضطرابات في المصافي ومخاطر النقل.
وبالنسبة للسوق، يعني هذا أن وضع الإمدادات لا يقتصر ببساطة على عودة الأمور إلى طبيعتها.
وهنا تبدأ قصة النفط في التأثير على الاقتصاد الأوسع نطاقاً.
2. قطعة الدومينو الأولى: التضخم
من شأن النفط أن يظهر في أماكن قد لا تتوقع وجوده فيها للوهلة الأولى.
يُعد الوقود المثال الأبرز على ذلك.
فعندما يرتفع سعر النفط الخام، قد تزداد أيضاً تكاليف إنتاج الوقود ونقله؛ مما يؤثر بدوره على الشركات التي تتولى نقل البضائع داخل البلاد أو عبر الحدود.
وفي نهاية المطاف، قد تنعكس هذه التكاليف على الأسعار التي تفرضها الشركات على المستهلكين.
ولا يحدث هذا الأمر بشكل فوري، كما أن ليس كل ارتفاع في أسعار النفط يتحول بالضرورة إلى مشكلة تضخم كبيرة؛ إذ يعتمد الأمر إلى حد كبير على حجم هذا الارتفاع، والأهم من ذلك، على مدة استمراره.
غير أن الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة قد يزيد من تعقيد مشهد التضخم بالنسبة للبنوك المركزية.
وهنا يبرز دور الاحتياطي الفيدرالي في هذا السياق.
3. معضلة الاحتياطي الفيدرالي: ماذا يحدث عندما يتطلب النمو الاقتصادي خفض أسعار الفائدة، في حين تدفع أسعار النفط معدلات التضخم نحو الارتفاع؟
هنا تزداد القصة تعقيداً.
يتعين على الاحتياطي الفيدرالي الموازنة بين التضخم والنمو الاقتصادي؛ فإذا بدأ النشاط الاقتصادي في التباطؤ، قد تبرز مبررات لخفض أسعار الفائدة.
ولكن، يصبح تبرير خفض أسعار الفائدة أمراً صعباً إذا عاود التضخم الارتفاع.
ويمكن لأسعار النفط أن تتسبب في هذه المشكلة تحديداً.
تخيل اقتصاداً بدأ يفقد زخمه؛ حينها يبدأ المستثمرون في توقع خفض أسعار الفائدة، اعتقاداً منهم بأن صناع السياسات سيرغبون في دعم النمو.
ثم فجأة، تقفز أسعار النفط.
تبدأ تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على توقعات التضخم، وفجأة لم يعد المبرر للتحرك السريع نحو خفض أسعار الفائدة أمراً واضحاً أو مباشراً.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت النفط يكتسب أهمية متزايدة فيما يتعلق بتوقعات أسعار الفائدة.
في 29 سبتمبر، صرح جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بأنه لا توجد حاجة ملحة لرفع أسعار الفائدة مرة أخرى، وأن لدى صناع السياسات متسعاً من الوقت لتقييم البيانات الاقتصادية الواردة. كما أشار إلى أنه إذا سار الاقتصاد بشكل عام وفقاً للتوقعات، فقد تظل هناك حاجة لرفع آخر للفائدة في وقت لاحق من العام.
وقد ساهمت تصريحاته في تراجع حاد للتوقعات بشأن رفع أسعار الفائدة في شهر أكتوبر.
والأمر المثير للاهتمام هو ما سيحدث إذا واصل سوق النفط دفع توقعات التضخم نحو الارتفاع.
فقد يرغب الاحتياطي الفيدرالي في الاستجابة لتباطؤ النمو، بينما يجد نفسه مضطراً في الوقت ذاته إلى أخذ الأثر التضخمي لارتفاع أسعار الطاقة في الحسبان.
وهذا يخلق بيئة أكثر تعقيداً للأسواق مقارنة بمجرد التساؤل عما إذا كان قرار الاحتياطي الفيدرالي القادم سيكون رفعاً للفائدة أم خفضاً لها.
4. رد فعل الدولار
بطبيعة الحال، تضع التوقعات المتعلقة بأسعار الفائدة الدولار الأمريكي في صلب المشهد.
فإذا توقع المستثمرون بقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة؛ إذ يمكن أن تجعل هذه العوائد المرتفعة الأصول الأمريكية أكثر جاذبية وتوفر دعماً للدولار.
وقد شهدنا بالفعل تجلي هذه الديناميكية على أرض الواقع.
ففي 29 أيلول، سجل الدولار أعلى مستوى له منذ 16 شهراً مقابل اليورو والفرنك السويسري، وذلك مع تعديل المستثمرين لتوقعاتهم بشأن أسعار الفائدة الأمريكية وارتفاع عوائد سندات الخزانة.
غير أن هناك عاملاً آخر يلعب دوراً مهماً خلال فترات عدم اليقين الجيوسياسي.
إذ يُستخدم الدولار أيضاً على نطاق واسع كعملة ملاذ آمن.
وهذا يعني أن أي صدمة جيوسياسية قد تولّد قوى متنافسة في آن واحد؛ ففي حين يمكن للعوائد المرتفعة أن تدعم الدولار، فإن تزايد حالة عدم اليقين قد يدفع المستثمرين أيضاً إلى السعي نحو السيولة والأمان.
وبالنسبة للمتداولين، يخلق هذا الأمر رابطاً مهماً بين سوق النفط وأسواق العملات.
فأي تحرك في أسعار الخام يمكن أن يغير توقعات التضخم، وهذه التوقعات بدورها قد تؤثر على تسعير أسعار الفائدة، مما ينعكس على عوائد سندات الخزانة وبالتالي على قيمة الدولار.
ونظراً لأن السلع -مثل الذهب- تُسعّر بالدولار الأمريكي، فإن تحركات العملة يمكن أن تؤثر بدورها وتنعكس مجدداً على أسواق السلع.
5. لماذا لا يسلك الذهب المسار الذي يتوقعه الجميع؟
ربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في القصة.
فعندما تتصاعد التوترات الجيوسياسية، يتمثل أحد الافتراضات الأولية لدى العديد من المستثمرين في أن أسعار الذهب يجب أن ترتفع تلقائياً.
وبالطبع، هناك ما يبرر وجهة النظر هذه؛ إذ لطالما اجتذب الذهب طلباً متزايداً خلال فترات عدم اليقين عبر التاريخ.
لكن تداول الذهب لا يعتمد على المخاطر الجيوسياسية وحدها؛
فأسعار الفائدة وعوائد سندات الخزانة تلعب دوراً مهماً أيضاً.
إذا ارتفعت أسعار النفط وسادت مخاوف في الأسواق بشأن التضخم، فقد يبدأ المستثمرون في توقع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما قد يدفع عوائد سندات الخزانة للصعود.
وهذا قد يجعل أصلاً مثل الذهب -الذي لا يدرّ فائدة- أقل جاذبية نسبياً مقارنة بالأصول التي تدرّ عائداً أو فائدة.
كما أن قوة الدولار قد تزيد من الضغوط، نظراً لأن الذهب يُسعّر بالدولار الأمريكي.
ولهذا السبب، فإن العلاقة بين المخاطر الجيوسياسية والذهب ليست دائماً بالبساطة التي تبدو عليها.
وقد أكدت تحركات الأسعار الأخيرة هذه الحقيقة.
ففي الأول من تشرين الأول، أفادت وكالة "رويترز" بأن الذهب حافظ على استقراره النسبي رغم قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة، حيث ساعدت بيانات التضخم الأمريكية الأقل حدة في تخفيف بعض الضغوط الناجمة عن ارتفاع العوائد.
كما أظهر الذهب مرونة كبيرة رغم ارتفاع عوائد السندات.
وهذا يشير إلى أمر مهم بخصوص السوق؛
إذ يمكن أن تؤثر قوى متعددة ومتعارضة على الذهب في آن واحد.
ففي حين يمكن لحالة عدم اليقين الجيوسياسي أن تعزز الطلب، فإن ارتفاع العوائد وقوة الدولار قد يشكلان عوائق أمام صعوده.
والنتيجة هي سوق تتسم بتعقيد يفوق بكثير مجرد القول بأن التوترات الجيوسياسية تدفع أسعار الذهب للارتفاع.
6. وماذا عن الأسهم؟
هنا تكتسب سلسلة التفاعلات أهمية خاصة؛
إذ يمكن لارتفاع أسعار النفط أن يزيد التكاليف على الشركات والمستهلكين. وإذا ساهمت هذه التكاليف المرتفعة في تفاقم التضخم، فقد يبدأ المستثمرون في وضع احتمالية رفع أسعار الفائدة في الحسبان.
وتؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة تكاليف الاقتراض والضغط على تقييمات الشركات، لا سيما عندما يدفع المستثمرون أسعاراً مرتفعة مقابل النمو المستقبلي المتوقع.
لكن هناك جانباً آخر للقصة؛
فنادراً ما تكون الأسواق مدفوعة بعامل واحد فقط.
إذ يمكن للأرباح القوية للشركات، وتوقعات الإنتاجية، والتطورات التكنولوجية، ومعنويات المستثمرين أن تساهم جميعها في دعم أسواق الأسهم، حتى في ظل بيئة اقتصادية كلية أكثر صعوبة.
وقد برز الذكاء الاصطناعي كعامل مهم بشكل خاص؛
فعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط وعوائد السندات، ظلت أسواق الأسهم العالمية صامدة نسبياً، حيث واصل المستثمرون تركيزهم بشكل كبير على توقعات الأرباح والأثر الاقتصادي المحتمل للذكاء الاصطناعي.
وهذا يطرح سؤالاً مثيراً للاهتمام بشأن الأشهر المقبلة:
هل يمكن للأرباح القوية والتفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي أن يواصلا دعم أسواق الأسهم إذا استمرت تكلفة الأموال في الارتفاع؟
لا توجد إجابة بسيطة.
كلما طالت فترة بقاء عوائد السندات مرتفعة، زادت أهمية العلاقة بين أرباح الشركات وتقييماتها.
الصورة الأوسع
تكمن النقطة المهمة في أن النفط ليس مجرد قصة تتعلق بسوق الطاقة.
فأي تحرك مستمر في أسعار الخام يمكن أن يؤثر على النظام المالي بأكمله.
يمكن لارتفاع أسعار النفط أن يضغط على معدلات التضخم، وبدورها تؤثر معدلات التضخم على توقعات أسعار الفائدة. وتؤثر هذه التوقعات على عوائد سندات الخزانة وسعر صرف الدولار الأمريكي؛ ومن ثم، فإن التغيرات في العوائد وقيمة الدولار يمكن أن تؤثر على أسعار الذهب والأسهم وفئات الأصول الأخرى.
ولا يكون الاتجاه دائماً في المسار نفسه.
فقد ينخفض الذهب حتى في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وقد يرتفع الدولار بينما يساور المستثمرين القلق بشأن حالة عدم اليقين العالمية.
كما يمكن للأسهم أن تحافظ على تماسكها حتى مع ارتفاع عوائد السندات.
ويعود ذلك إلى أن الأسواق توازن باستمرار بين قوى مختلفة ومتعارضة.
ولهذا السبب، فإن مراقبة رسم بياني واحد بمعزل عن غيره قد تجعل المتداولين يغفلون الصورة الأوسع.
قد يكون النفط هو نقطة البداية، لكن القصة الأكثر أهمية هي ما يحدث بعد ذلك.
فإذا ظلت أسعار الخام مرتفعة، ستراقب السوق مؤشرات التضخم، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، وعوائد سندات الخزانة، والدولار، والذهب، والأسهم، بحثاً عن علامات توضح كيفية انتقال تأثير هذه الصدمة.
لأنه عندما يرتفع النفط، لا تنتهي القصة عند النفط؛ بل يمكن لهذا الارتفاع أن يغير مسار النقاشات في جميع الأسواق المالية الرئيسية تقريباً.
يُعد النفط أحد تلك الأسواق التي يمكن أن تمارس تأثيراً على الأسواق المالية يفوق بكثير ما قد يوحي به الرسم البياني لسعره.
فعندما تشهد أسعار النفط الخام ارتفاعاً حاداً، سرعان ما يمتد الأثر ليشمل أسعار الوقود، وتوقعات التضخم، وأسعار الفائدة، والعملات، والسندات، والذهب، والأسهم. وكلما استمر هذا الاتجاه الصعودي، زاد احتمال أن يبدأ المتداولون في الأسواق الأخرى في إيلاء اهتمام أكبر للأمر.
وهذا بالتحديد ما يجعل التحرك الأخير في أسعار النفط مثيراً للاهتمام.
لقد عاد سعر خام برنت ليتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل في أواخر شهر سبتمبر، وذلك في ظل تزايد المخاوف المتعلقة بالتوترات في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. ورغم أن الأسعار قد تراجعت منذ ذلك الحين عن تلك المستويات المرتفعة مع تعافي بعض الصادرات الخليجية، إلا أن المخاطر الكامنة لم تتلاشَ.
لذا، وبدلاً من الاكتفاء بالتساؤل عن المسار القادم لأسعار النفط، يجدر بنا النظر فيما قد يعنيه الارتفاع المستمر في هذه الأسعار بالنسبة لبقية السوق.